جان لوئيس بوركهارت

52

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ولما وصلت معسكر محمد كاشف لم أجده لأنه كان مشغولا مع أخيه بتسلم الحصن . والتف قومه بي وبالخبير يسألونني فيم قدمت بلادهم ، ظانين أنني من حاشية المملوكين اللذين علموا بوصولهما إلى الدر . وبعد قليل أقبل محمد بحاشيته من الضفة الأخرى ، فمضيت إليه فورا لأحييه . وكانت أمه جارية من أهل دارفور ، فكانت لوجهه قسمات السودانيين ، ولكنه خلا تماما من هذه الرقة التي تتسم بها وجوه الزنج ، بل قرأت في سحنته الشراسه وحدة الطبع . ودحرج عينيه وهو ينظر ناحيتي نظرة مجنون ، ولم يكن يقوى على الوقوف على قدميه لفرط ما تعاطى في الحصن من عرقى البلح . واجتمع قومه داخل خصه المفتوح ومن حوله ، وكذلك وفد عليه الثوار المهزومون . وجئ بقربتين كبيرتين من العرقى وقدم الشراب للحاضرين في أكواب صغيرة مصنوعة من القرع صنعا متقنا . وكان منهم قلة تتكلم العربية ، أما كاشف فلم يكد يبين . على أنه ظهر لي بجلاء أنني كنت محور حديثهم . ولم يكن كاشف في سكره قد سألني بعد من أنا وما مهمتى . وبعد نصف ساعة كان الجميع قد ثملوا بالخمر ، ثم جئ بالبنادق وأطلقت الأعيرة النارية في الكوخ ابتهاجا بالنصر . وأعترف أنني في هذه اللحظة ندمت على مجيئي للمعسكر ، فقد كان من السهل أن تسدد إلىّ إحدى هذه البنادق أو تصيبنى منها رصاصة طائشة . وقد حاولت النهوض للانصراف غير مرة ، ولكن كاشف كان يحتجزنى وهو يلح على في الشراب حتى أثمل معه . غير أنى لم أصب من الشراب إلّا أقله ، فما كان أحوجني الآن إلى الصحو . وما انتصف النهار حتى كان جميع من بالمعسكر يغطون في سبات عميق . وبعد ساعات كان كاشف في حال من الصحو تمكنه من التحدث إلىّ وهو مالك زمام نفسه ، فأخبرته أنني جئت النوبة لأزور حصني إبريم وصاى الأثريين بوصفهما من آثار دولة السلطان سليم ، وأنني أحمل له ولأخويه توصيات من إسنا ، وقد جئت المحس مسلما عليه وعلى أخيه ، لأننى لم أر من اللياقة أن أعود أدراجى من صاى دون أن أقوم بواجب التحية لهما . ولكن لسوء الحظ كان حسن كاشف قد احتفظ بخطابات التوصية التي أحملها من إسنا ، والموجهة للأخوة الثلاث ، فقد أبى أن يعيدها إلىّ حين غادرت الدر